الجمعة، 24 يناير 2020

مقال


فيلم (النوم في العسل)
تحت عنوان
قراءة
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين

   

يُخيَّل للمشاهد، من الوهلة الأولى، لهذا العمل أنه يطرح فكرة ساذجة، وهي مرض يصيب الجهاز التناسلي للرجال، وهذا غير صحيح بالمرة؛ فالعمل يُعتبر طفرة في طريقة النقد السياسي بصيغة احترافية، ومن أهم القضايا التي يطرحها العمل هي تغييب المجتمع عمّا يجري حوله من قضايا كبيرة، وطريقة التعامل معها.

وقد نجح مخرج العمل، وهو للمخرج **شريف عرفة** سنة 1996، وكان لابد من وجود موضوع استفزازي للمشاهد، ولم يكن هناك أقوى من قضية العجز الجنسي لطرح النقد السياسي، ومسألة تكميم الأفواه، وتقييد الرأي العام. وقضية طرح تلك المواضيع كانت بمثابة مجازفة حقيقية في مجريات العمل الفني، وهذا يُحسب للفنان الكبير عادل إمام في اختيار المواضيع المميزة، وله تجارب عديدة قبل هذا العمل، ومنها فيلم **الإرهابي**، وليس هذا موضوعنا، إنما طرح مواضيع جريئة بصيغة استفزازية للمشاهد هو أفضل أنواع النقد الاجتماعي.

فالعالم اليوم منشغل بقضايا هنا وهناك، فدخل عالمنا اليوم أفكار، أقل ما توصف بالسذاجة والسطحية، ولهذا تأثير كبير في الأيام القادمة. وطرح الفيلم لمشكلة عدم الإفصاح عمّا نحن عليه لجوانب عديدة هي الأصل في فكرة العمل، وقد يعطي أيضًا إشارات إلى مواضيع عديدة، ومنها آلية التعامل السلطوي في طرح ما يلامس حياة المواطن والرأي العام.

وقد نجح العمل بشكل كبير في تقديم الصور التي تحكي ما وراء الحدث، ويكاد العمل أن يدخل في بوابة الرمزية إلى حد كبير، إذا ما عُدَّ العمل من الأعمال التي تعتمد بشكل أساسي على الرمز، وهو **العجز الجنسي**، ويرمز به إلى الأحداث التي لا يمكن التحدث عنها بشكل علني، حيث رمز لها العمل بصرخة **(آه)**، تعبيرًا عن الوجع من كتمان حقيقة الأمر، ويحيطها مصطلحات منها: العيب، والخجل، والخوف. وهذه المصطلحات هي التي تحكم الموقف، وكل ما ذكرت يعود إلى المدرسة الرمزية.

ويأخذ العمل شخصيات متعددة جانبية، ومنها دور صاحبة بيت الدعارة، وكلمتها المشهورة عندما سألها البطل عمّا يحدث، قالت: **(كلام في كلام، مناخدش منهم إلا الكلام)**، وهذا بالضبط ما يعبر عن الواقع اليوم، من وعود كاذبة إلى الشعوب، وعلى ما يسمى بالشارع العام.

والغريب أن الفيلم يعطي صورة مستقبلية لما سوف يحدث؛ فالعمل من تسعينيات القرن الماضي، ولكنه نظرة مستقبلية للأيام القادمة، وما نحن عليه اليوم من مفارقات وكوارث نعيشها كل يوم، ولا يستطيع أحد التحدث عنها على العلن، فتبقى في طي السر الذي من المحتمل قتل حامله.

ومن الصور الأخرى التي شدّت انتباهي شخصية الدجال، الذي يلعب دورًا في زمن الأزمات، والطريقة التي دافع الناس عنه عندما أراد ضابط الشرطة القبض عليه. وهذه الصورة لها دلالة على أولئك الذين ينتفعون من تلك الأزمات التي يمر بها البلد، وليس المقصود بها شخصية الدجال كما صوّرها العمل، وقد يكون اليوم هو ذاته السياسي بشخصية الدجال، الذي يدافع عنه الناس كنوع من التمسك بالأمل المفقود.

وقد يعتبر هذا العمل طفرة نوعية في الأعمال النقدية، من الناحية التقنية والحبكة الدرامية، في تسليط الضوء على صور غائبة عن رؤية المشاهد العادي، فيما يجري حولهم من قضايا لا يمكن البوح عنها.

ومن المضامين التي أرى أن العمل استطاع أن يمررها بذكاء هي **تحويل المشكلة الفردية إلى حالة عامة**، فالعجز في الفيلم لم يعد عجزًا جسديًا يخص الرجل وحده، وإنما أصبح عجزًا يحيط بالمجتمع بأكمله، وكأن المخرج أراد أن يقول إن المجتمع عندما يفقد القدرة على الكلام والمواجهة والاحتجاج، يصبح العجز حالة عامة لا تختلف كثيرًا عن العجز الذي أصاب الشخصيات داخل العمل، وهنا تكمن قوة الرمز، لأن المرض الظاهر ليس هو القضية الحقيقية، وإنما القضية هي المرض الذي لا يُرى بالعين.

والأهم من ذلك أن العمل لم يجعل الخوف حالة فردية، بل جعله حالة جماعية، فالجميع يعرف أن هناك مشكلة، والجميع يشعر بوجودها، ولكن لا أحد يمتلك الجرأة على تسميتها، وهذه من أخطر صور المجتمعات عندما يتحول الصمت فيها من موقف مؤقت إلى ثقافة عامة، فيصبح الإنسان قادرًا على رؤية الخطأ، لكنه غير قادر على الحديث عنه، ويعرف الحقيقة لكنه يخاف من إعلانها، وهنا يصبح الصمت شريكًا في صناعة المشكلة وليس مجرد نتيجة لها.

 

ومن زاوية أخرى، نجد أن العمل يضعنا أمام سؤال مهم جدًا: **ماذا يحدث عندما يصبح المواطن غير قادر على التعبير عن وجعه؟** وهنا تأتي صرخة (آه) في الفيلم لتأخذ معناها الحقيقي، فهي ليست مجرد صرخة ألم، وإنما لغة بديلة عن الكلام، وكأن الإنسان عندما يُمنع من استخدام الكلمات، لا يبقى أمامه إلا أن يصرخ، وحتى هذه الصرخة قد لا تجد من يسمعها، أو قد يسمعها الجميع ويتظاهرون بأنهم لم يسمعوها.

كما أن العمل يطرح صورة أخرى لا تقل أهمية، وهي **الخوف من الحقيقة أكثر من الخوف من المرض نفسه**، فالمرض يمكن أن يعالج عندما يتم تشخيصه، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الحديث عن المرض ممنوعًا، لأن إخفاء الحقيقة لا يلغي وجودها، وإنما يجعلها أكثر خطورة، وهذا ما يجعل الفيلم يتجاوز زمنه، لأن المجتمعات لا تتغير كثيرًا عندما تتكرر الظروف ذاتها، وقد تتغير أسماء الأشياء وأشكالها، ولكن يبقى الإنسان في مواجهة السؤال نفسه: هل يستطيع أن يقول الحقيقة عندما تصبح الحقيقة ثمنًا؟

وهنا أجد أن الفيلم لم يكن ينتقد السلطة وحدها، وإنما كان ينتقد **المجتمع أيضًا**، لأن السلطة مهما امتلكت من أدوات لا تستطيع أن تصنع الصمت وحدها، فهي تحتاج إلى مجتمع يعتاد الخوف، وإلى أفراد يفضلون السلامة الشخصية على المواجهة، وإلى آخرين يبررون الخطأ لأنهم اعتادوا عليه. ولذلك فإن مسؤولية الصمت لا تقع دائمًا على من يمنع الكلام، وإنما تقع أيضًا على من يمتلك الكلام ثم يختار الصمت.

ومن الأمور التي تستحق التوقف عندها أيضًا أن العمل قدم لنا صورة عن **الجماهير عندما تبحث عن الخلاص السهل**، فظهور الدجال في زمن الأزمة ليس مجرد شخصية عابرة، وإنما هو نموذج للإنسان الذي يظهر عندما تزداد حاجة الناس إلى أي مخرج، حتى لو كان هذا المخرج وهميًا. وفي الأزمات يصبح الإنسان أكثر استعدادًا لتصديق من يمنحه الأمل، حتى وإن كان ذلك الأمل بلا أساس، وهنا تتحول الحاجة إلى الأمل إلى باب واسع لاستغلال الناس.

والفيلم في هذه النقطة يطرح قضية أخطر، وهي أن **الفراغ الذي تتركه الحقيقة يملؤه الوهم**، فعندما لا يجد المواطن تفسيرًا واضحًا لما يحدث حوله، فإنه يبدأ بالبحث عن أي تفسير، وعندما لا يجد من يقوده إلى الحقيقة، قد يتبع من يقوده إلى الوهم، ولهذا فإن الدجال في الفيلم ليس مجرد شخصية، بل يمكن قراءته باعتباره رمزًا لكل من يتغذى على أزمات الناس ويبيع لهم الوعد بالخلاص.

كذلك لا يمكن تجاهل الجانب الإعلامي في العمل، لأن الإعلام عندما يتحول من وسيلة لكشف الحقيقة إلى وسيلة لتخفيف وقع الحقيقة، فإنه يفقد وظيفته الأساسية، ويصبح جزءًا من المشكلة. فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى من يخبره بما حدث، وإنما يحتاج إلى من يسأل: لماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ وهذه الأسئلة هي التي تجعل الإعلام سلطة حقيقية، وليس مجرد شاشة تعرض الأخبار ثم تنتهي الحكاية.

وربما من أجمل ما يمكن قراءته في العمل هو أن **المشكلة ليست في وجود المرض، وإنما في محاولة إخفائه**، لأن المرض الذي يُعلن عنه يمكن أن يجد طريقه إلى العلاج، أما المرض الذي يخجل الناس من الاعتراف به فإنه ينتشر بصمت. وهذا المعنى يمكن أن يتجاوز حدود الفيلم إلى المجتمع والسياسة والثقافة، فكل قضية نخاف من الحديث عنها اليوم قد تتحول غدًا إلى أزمة لا يمكن السيطرة عليها.

ولهذا أعتقد أن (النوم في العسل) لم يكن فيلمًا عن العجز الجنسي كما قد يتبادر إلى ذهن المشاهد في البداية، وإنما كان فيلمًا عن **العجز بكل أشكاله**؛ عجز الإنسان عن الكلام، وعجز المجتمع عن المواجهة، وعجز المسؤول عن الاعتراف بالمشكلة، وعجز المواطن عن تغيير واقعه، وعجز الجميع عن كسر دائرة الخوف.

وهنا تكمن عبقرية العمل، لأنه استطاع أن يضع أمام المشاهد مرآة، ولكنه لم يقل له بشكل مباشر: انظر إلى نفسك، وإنما تركه ينظر ويكتشف أن ما يضحك عليه في الفيلم قد يكون شيئًا يبكي منه في واقعه، وأن الكوميديا أحيانًا ليست إلا الطريقة الأكثر ذكاءً لتمرير الحقيقة عندما تعجز الحقيقة عن المرور وحدها.

وربما لهذا السبب تحديدًا بقي الفيلم قادرًا على إثارة الأسئلة بعد مرور سنوات طويلة على إنتاجه، لأن الأعمال العظيمة لا تنتهي بانتهاء عرضها، وإنما تبدأ عندما ينتهي العرض ويبدأ المشاهد في إسقاط ما شاهده على واقعه، وهنا يتحول الفيلم من مجرد عمل فني إلى **وثيقة اجتماعية وسياسية تقرأ زمنها، وربما تقرأ أزمنة لم تأتِ بعد**.

وهذه هي قيمة الفن الحقيقي، عندما لا يكتفي بأن يجعلنا نشاهد، وإنما يجبرنا على أن نفكر، وعندما لا يقدم لنا الإجابة جاهزة، وإنما يضع السؤال في رؤوسنا ثم يتركنا نبحث عن الإجابة بأنفسنا.

 

الخلاصة ... ربما لم يكن النوم في العسل فيلمًا عن مرض أصاب الرجال، بقدر ما كان تشخيصًا لمرض أصاب مجتمعًا بأكمله؛ مرض اسمه الصمت، وأعراضه الخوف، وعلاجه كلمة واحدة اسمها الحقيقة. فالعجز الحقيقي ليس أن يعجز الإنسان عن ممارسة حياته، وإنما أن يعجز عن قول ما يؤلمه، وأن يرى الخلل أمامه ثم يختار الصمت، وأن يعرف الحقيقة ثم يخاف من إعلانها.

لقد استطاع العمل أن يضع إصبعه على جرح لم يكن من السهل الاقتراب منه، وأن يجعل من الكوميديا قناعًا يخفي خلفه وجعًا سياسيًا واجتماعيًا عميقًا، حتى أصبح الضحك في كثير من مشاهده أشبه بالبكاء، وأصبحت صرخة (آه) أكبر من مجرد صوت؛ إنها صرخة مجتمع كامل يبحث عن حقه في الكلام.

وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى؛ أن الفيلم الذي أُنتج في تسعينيات القرن الماضي ما زال قادرًا على أن يطرق أبواب واقعنا اليوم، وكأنه لم يكن يتحدث عن زمن مضى، وإنما كان يترك لنا رسالة مؤجلة تقول: إن المجتمع الذي يخاف من تسمية مرضه، لن يجد يومًا الشجاعة لعلاجه.

ولهذا، فإن النوم في العسل ليس مجرد فيلم نشاهده ثم ينتهي، بل سؤال يبقى معلقًا في أعناقنا: هل انتهى العجز بانتهاء الفيلم، أم أننا ما زلنا نعيش فصوله، ولكننا استبدلنا صرخة (آه) بصمتٍ أطول؟

وربما كانت الإجابة هي الجزء الأكثر إيلامًا في الحكاية... لأن بعض الأفلام تنتهي عندما تظهر كلمة النهاية، أما بعض الأفلام الأخرى، فتبدأ نهايتها الحقيقية عندما نكتشف أنها كانت تتحدث عنا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  دولة المولدات تحت عنوان أثنا عشر الا ربع بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين أثنا عشر الف الا ربع   ...   يسمى ربع دينار اصغر ع...